.

ريما برتقش

كان دائما يحاور ويناقش ويقنع

ريما برتقش

كنت خائفة، ركبتاي ترتجفان وأنا اسمع أزيز الطائرات فوق رأسي وقلبي يرتعش وفكري يركض بعيدا بعيدا وأتساءل، هل أنا قادرة أن أواكب النضال؟

بالتأكيد— إنني أؤمن كل الإيمان بقضيتي — ومستعدة أن أقدم كل ما لدي من اجل قضيتي – من اجل فلسطين. كل هذا الإيمان ولماذا أخاف؟ هكذا قال أبو عمر. من آمن بقضيته ولو خاف، فهذا شعور أنساني إلا انه سيقاوم ويقاوم. إني أؤمن بتحرير يافا وفلسطين ولكن ما في يدي حيلة؟ لا مفر – إنني جبانة!!! لا، تذكرت ما قال أبو عمر – الخوف شيء طبيعي، كل إنسان يخاف. أحسست بالطمأنينة، استرجعت شعوري بإنسانيتي، يا له من إنسان!

كان ذلك في يوم عام 1975 حين ذهبت إلي تل الزعتر لمتابعة عمل الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية ولإعطاء دروس في محو الأمية. وهناك وسط عذاب هذا الشعب اللاجئ الذي يعيش في حاله مزرية، رأيت طائرات العدو الإسرائيلية تحوم فوق المخيم وسمعت هديرها المزعج. فكرت بألم: ألا يكفي أن الكيان الصهيوني احتل كل فلسطين بل يجرؤ أيضا ويأتي إلي هنا ليلاحق هذا الشعب المكافح الذي طرده من أرضه ووطنه !

كانت هذه الأفكار تنتابني وأزيز الطائرات يلاحقني ويزعجني – إنا – ويرهب أطفال تل الزعتر. ماذا فعل هذا الشعب الأبي لينال هذا العذاب؟ طرد شعب بأكمله، هل سمع العالم، هل يسمع ألان؟ هذا الغرب الذي يسمى بالعالم المتمدن، خلق هذه القضية، سمح للاستعمار والصهيونية بطرد شعب بأسره وجلب فلول من شعوب بلدان أخرى لتحل مكانه! يا الهي، يا الهي، ياله من ظلم. لا إنسانيا مقبول، ولا تاريخيا معقول، ما العمل؟ كيف نواجه هذا الظلم؟ "التنظيم، التنظيم والمعرفة والعمل والإيمان والصبر"، هكذا يقول أبو عمر.

أقف في تل الزعتر، واشعر أن ساقي تصطكان ووجهي يصفر وأزيز الطائرات يزداد والأطفال يصرخون والأمهات يركضن مع أطفالهن إلى الملاجئ. والجميع يصرخ، إلى الملجأ - إلى الملجأ. وهل هناك عدد كاف من ملاجئ واقية لتحوي كل أهل تل الزعتر؟ اعرف جيدا انه لا يوجد. من ستقتل هذه الطائرات؟ الأطفال؟ المسنين؟ كفى إرهابا يا رب! كفانا عذابا. وفيما إنا سارحة بأفكاري اسمع صوتا يناديني، فالتفت إلى الوراء لأرى سلمى، أم زيد، إحدى أعضاء الاتحاد في المخيم، تنظر إلى و تسألني: " ما بك؟ أراك مرتبكة ! لا تخافي، لا، لا ! فنحن سندحر هذا الهجوم البشع بشبابنا الأغر وشجاعتنا المعتادة وإيماننا الراسخ بقضيتنا العادلة و... و...." حين إذن شعرت إنني مت مرتين، مرة من الخجل من أم زيد ومرة من الخوف من ارها ب الطائرات. بعدها آخذتني معها إلى بيتها المبني من التنك الذي لو اقتربت منه الطائرات لتهدم من أزيزها فقط!

شربنا الشاي بعد أن ابتعدت الطائرات لاختيار أهداف أخرى. وتباد لنا الأحاديث المتنوعة ؛ تاريخ فلسطين، النكبة، الصمود، الوضع المحلي والعالمي والصهيونية، تربية الأطفال ل و المرأة ودورها في النضال وتحررها و... و... و........ - هذه أم زيد تتكلم مثل أبو عمر، كأنها متخرجة من جامعة هارفارد. واسفا ه ! لم أتمكن من الإجابة على كل أسئلتها ومحاورتها كانت صعبة، بسيطة!!! سأكمل النقاش مع أبو عمر.

وكان يوما من حياتي لن أنساه، وخلال ذلك اليوم كم مرة فكرت أو تذكرت أبو عمر.
علمني التواضع في حياتي كثيرا. علمني التواضع وبأن كل من تواضع زاد قدره في الدنيا! اذكر انه كان يجالس الكبير والصغير، القوي والضعيف، الذكي والبسيط ويصغي للجميع وكأنه هو التلميذ وليس المعلم! كان يناقش بهدوء ويقنع من خالفه الرأي. لم يعاد أحدا. كان دائما يحاور ويناقش ويقنع.

كنت معجبة جدا بذكائه وتضحيته وروحه المرحة.

لا، لا، لن أنساك أبو عمر!

ريما برتقش*

نشطت ريما( ماجستير علم مكتبات، عملت في المنظمات الدولية) في الإتحاد العام للمرأة الفلسطينية – فرع لبنان
( وكانت مسؤولة اللجنة الثقافية ثم رئيسة للإتحاد ما بين ( 1974 – 1976

كندا 2007


صفحة البداية | الاتصال | خريطة الموقع | | icone statistiques visites | info visites 0

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع ذكريات ودردشات  متابعة نشاط الموقع الأصدقاء والمعارف   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.2.0 + AHUNTSIC

Contact Email

info (at) abu-omar-hanna.info