.

عبد الفتاح القلقيلي

أبوعمر: "الكادر الصلب في المكان الصعب"

بقلم: عبد الفتاح القلقيلي (أبو نائل)

في ربيع عام 1969 كنت عضواً في أمانة إقليم الأردن لحركة فتح. وكان صديقي الشهيد ماجد أبو شرار قد تفرغ حديثاً ويعمل مسئولا في الإعلام المركزي وكان الشهيد كمال عدوان مسئول الإعلام المركزي قد قرر إنشاء معسكرات تدريب صيفية يتدرب فيها أعضاء التنظيم من مختلف الأقاليم، ووقع الاختيار على نزيه أبو نضال ليقود ذلك المعسكر، واقترحني ماجد لأشارك نزيه في قيادة المعسكر.

وقررت الالتحاق بمعسكرات التدريب الصيفية، فذهبت إلى الإعلام المركزي وقابلت كمال عدوان وماجد أبو شرار وأبلغتهما رأيي الجديد، ورحبا بذلك. وفي اليوم التالي التقيت بهما للإطلاع على خطة العمل والتفاصيل وكانت أهداف المعسكر باختصار المعسكر توعية ودعاية بشكل عملي يكون المعسكر موقعاً لزيارة الوفود الأجنبية والصحفيين لإعطاء فكرة إيجابية عن الحركة ، وكان معهما شاب قليل الحجم ذو لحية كثة سوداء صامت معظم الوقت

.خرج كمال عدوان وماجد أبو شرار وبقيت مع ذلك الصامت، وفتحتُ الحديث معه حول العلاقة بين النظرية والتطبيق. وإذا به يفيض معرفة ورقة وتواضعاً. وعلمت في تلك الجلسة أنه أبو عمر وأنه يعمل في العلاقات الخارجية للحركة، وكانت آنذاك تابعة للإعلام المركزي. وقد انفتحنا على بعض وحدثته لماذا وافقت على خوض غمار التدريب بدلاً من ميدان التنظيم، وحدثني لماذا قرر ترك الدراسة والتدريس في أمريكا وجاء ليعمل في العلاقات الخارجية هنا.

منذ ذلك اليوم وحتى استشهاده 1976 لم ننقطع عن بعض. إن كان لينين قد قال "أن خطوة عملية واحدة أهم من دستة" برامج فإن أبو عمر كان التعبير عن ذلك القول. لقد كان أستاذاً مساعداً في جامعة "برنستن" في أمريكا، ثم أستاذاً في جامعة "سياتل" .
وبعد نكسة 1967، وربما بسببها، تنامت الثورة الفلسطينية وتوسعت ففقد حنا ميخائيل حماسه للبقاء في الولايات المتحدة، فترك العمل في الجامعة وعاد إلى عمّان ليكون "أبو عمر".

كان أبو عمر ثائراً وديعاً دمث الأخلاق حميد السيرة عفيف النفس واللسان. وكان شعاره دائماً "الكادر الصلب في المكان الصعب". ولكنه كان صوفياً، فقد عُرض عليه عام 1974 أن يذهب إلى نيويورك ممثلاً لمنظمة التحرير لدى الأمم المتحدة في نيويورك فرفض لأنه ترك عمله في أمريكا ليعمل في المنطقة فاعتُمد بدلاً منه باسل عقل، وعُين زهدي الترزي مديراً للمكتب هناك ....

وفي عام 1971 تجمعت قوات الثورة عموماً وقوات فتح خصوصاً في الأحراش و وتشكل ما عُرف بقيادة الأحراش برئاسة خليل الوزير أبو جهاد. وكان في عضويتها أحمد عفانة (أبو المعتصم) وكمال عدوان وصخر حبش واسحق الدقس وحنا ميخائيل (أبو عمر) وعثمان أبو غربية. وفي ذلك الموقع ترسخت علاقة أبي عمر مع الكاتب الفرنسي الكبير جان جينيه الذي كتب الكثير عن أبي عمر، كما توطدت مع كل من كمال عدوان وصخر حبش، وهذا ما جعلهما بعد الخروج من الأحراش يختارانه في نهاية عام 1971 ليكون عضواً في قيادة القطاع الغربي تلك القيادة التي سميت في حينها " بورد Board " يرأسه كمال عدوان ونائبه صخر حبش، وقد كنت عضواً في هذه الهيئة، وكنت مسئول التعبئة بما في ذلك التدريب، وكان أبو عمر مسئول التنظيم.
وفي تلك الأثناء وضع خطة تثقيفية تستند إلى قائمة من عناوين مختارة للقراءة تغطي موضوعات متعددة. ووضع هو نفسه دراسات خاصة بالثورة الفلسطينية والثورة القومية الديمقراطية العربية، وخاصة موضوع "المجتمع العربي" وكان شعاره في هذا المجال أنه "منذ أصبحت الثورة علماً، أصبح لزاماً على كل المناضلين أن يدرسوا علم الثورة حتى يستطيعوا أن يقوموا بواجبهم تجاه شعوبهم".

في صيف عام 1972 تقرر في القطاع الغربي أن نعقد دورة صيفية تدريبية وتثقيفية للكوادر وخاصة طلبة الجامعات العربية والعالمية. وقد كان الأخ أبو عمر أحد أفراد الطاقم المشرف على هذه الدورة. وكانت مدة الدورة أربعة أسابيع قضاها أبو عمر معنا في المعسكر لم يغادره يوماً واحداً.
وعندما سقط برنامج التسوية ذي النقاط العشرة حجراً في بركة الفكر السياسي الفلسطيني بدأت الثوابت الوطنية تهتز، وانقسمت الساحة الفلسطينية إلى ثلاثة مسارات :
1- مسار المفرّطين وهو المسار الذي أدان الماضي الثوري أو سخّفه، ويعترض على القول المأثور "لا يأتي من الغرب ما يسر القلب" ويرى أنه "لا يسر القلب إلا ما يأتي من الغرب" وبدلاً من تحرير كامل التراب التزموا بتحرير كامل الإرادة من الالتزام، ولا صوت يعلو فوق صوت التسوية.
2- مسار المُـفْرطين وهو المسار المتطرف العدمي الذي لا يرى للتحرك السياسي أية قيمة ولا صوت يعلو فوق صوت البندقية، وكان شعارهم "نيسان خبّر أيلول الحل السلمي مش مقبول لا في العرض ولا في الطول".
3- مسار الواقعية الثورية الذي يرى أنه من الطبيعي أن تكون التسوية هي نهاية كل حرب، وأن الحرب لا تكون إلا لتحقيق هدف سياسي، وأن التسوية في فترة ما، هي انعكاس لميزان القوى في تلك الفترة، وبما أن ميزان القوى الآن راجح تماماً لصالح العدو، فإن أية تسوية الآن ستكون لصالحه.

كان أبو عمر من أبرز كوادر مسار الواقعية الثورية وكان يرى أن هنالك العديد من ذوي النوايا الحسنة في التيارين ويمكن استقطابهما. وبعد استشهاده تكون في فتح ما يعرف "بالتيار الديمقراطي" الذي تشكل أساساً من معتنقي المسار الثالث وعدد من الذين كانوا يعتنقون المسارين بنوايا حسنة.
رغم بعض التباينات بين أعضاء هذا التيار إلا أنهم جميعاً يشيدون بأبي عمر ويعتبرونه قدوة في المسلك والتواضع والالتزام بالرؤية الديمقراطية.

في حزيران عام 1970 اشترك أبو عمر في البرنامج التلفزيوني الأمريكي الشهير "المحامي" أو المرافع" The Advocates وشارك فيه شخصيات كبيرة بما فيها الرئيس جمال عبد الناصر والملك حسين والمناضل جورج حبش ومن الطرف الآحر ( دون التواجد في نفس المكان) قيادات إسرائيلية فيها يهوشفاط هركابي، الذي كان قد ترك موقعه كرئيس شعبة الاستخبارات العسكرية في الجيش الإسرائيلي .
كان منطلق أبو عمر "الحل الديمقراطي للنزاع العربي الإسرائيلي" أن الثورة الفلسطينية الحالية بنشاطها السياسي وكفاحها المسلح إنما تسعى لإنجاز "الحل الديمقراطي" بإقامة الدولة الديمقراطية التي تحترم حقوق الجميع من منطلق المواطنة بغض النظر عن الدين والعرق.

وتفوّقَ أبو عمر على خصمه بهدوئه ومنطقه وبإيمانه العميق بالحل الديمقراطي، ولم يكن الأمر لديه مجرد خطاب دعائي لكسب اليسار العالمي إلى جانب القضية. وكان شعاره الذي يردده باستمرار "الحل العادل هو الذي يحل مشكلة البشر قبل الأرض والحجر".
وفي 1975 التحق بدورة بكوادر في فياتنام، وكان يقوم أيضاً بالترجمة عندما كانت بعض المحاضرات تلقى بالإنجليزية، وكان قائد الدورة تلك الأخ "نعيم أبو محمود"، واسمه الحقيقي عبد الحميد محمود وشاحي الذي كان شبه أمي، ولكنه من أفضل كوادر حركة فتح وأنقاهم. وتوثقت العلاقة بينهما وقام أبو عمر بتعليمه.

وكان أبو عمر يعتقد أن البرنامج المرحلي لا يهدف أصحابُه "التحرير على مراحل"، حسب ما يوحي النص، وإنما يهدف "الاستسلام على مراحل". وكان يرى ضرورة إقامة "الجبهة الوطنية المتحدة" التي تضم القوى ذات المصلحة في تحرير فلسطين، على غرار التجربة الفياتنامية، وكان نعيم أبو محمود يوافقه الرأي في ذلك – وإن كان ببساطة ودون تعقيدات نظرية.

وفي شهر حزيران من عام1976 كانت قيادة حركة فتح لمنطقة الشمال في لبنان بقيادة أبو هاجم قد عاثت فساداً، ولم تستطع القيادة العامة، أو لم ترد، أن تغيرها، فقررت أن تدعمها بمجموعة نظيفة لعل وضع الحركة يتحسن هناك، فاختارت نعيم أبو محمود ليكون قائد المليشيا هناك واقترح نعيم أن يكون أبو عمر نائبه والمفوض السياسي فوافقت القيادة، واختارا ثمانية كوادر جيدة.

ولأن الحركة كانت في حالة حرب مع السوريين ومع الانعزاليين لم يكن أمام هذه المجموعة من طريق إلى طرابلس غير طريق البحر، فاستقلوا قارباً صغيراً فلم يصلوا ولم يعودوا، واختفت آثار المجموعة ولم يستطع أحد أن يقف على أثر لهم على الرغم من الجهود المضنية التي بذلت في هذا المجال، والتي تحملت أم عمر القسط الأوفر منها.

رام الله 2007

عبد الفتاح القلقيلي المعروف ب ابو نائل مناضل فلسطيني ومن أبرز كتاب فلسطين الساخرين عمل سفيراً لفلسطين في عدد من البلدان ثم مديراً عاماً في المجلس الأعلى للتربية والثقافة في منظمة التحرير الفلسطينية.


صفحة البداية | الاتصال | خريطة الموقع | | icone statistiques visites | info visites 0

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع ذكريات ودردشات  متابعة نشاط الموقع الأصدقاء والمعارف   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.2.0 + AHUNTSIC

Contact Email

info (at) abu-omar-hanna.info