.

أحمد أبو غوش

أبو عمر، حنا ميخائيل قائد ومعلم

أحمد حسن أبو غوش

سمى إبنه عمر تيمنا بأبو عمر (انظر الصورة أدناه)

أحمد أبو غوشفي عام 1972، وبعد تخرجي من الثانوية العامة، خرجت من فلسطين بحثاً عن قبول في جامعة عربية. ولأنني لم أقبل في جامعات الأردن، قررت الانتساب لجامعة بيروت العربية، وكان سبب اختياري هذا يعود إلى وجود بنية الثورة الرئيسية هناك. وكأي شاب من جيلي كنت أبحث بشكل محموم عن انتماء وفرصة للنضال الوطني الثوري. في سنة 1973 أتيحت لي فرصة السفر إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، وهناك عملت مدرساً في مدينة الشارقة، والتزمت في حركة فتح. ولكوني من الأرض المحتلة تم اعتمادي عضوا غير كامل العضوية في الحركة وتم ربطي مع شخص واحد لتثقيفي. وفي عام 1975 قررت الاستقالة من عملي في دولة الإمارات والعودة إلى الأرض المحتلة للمشاركة في النضال، رغم كل ضغوطات من عرفته وعدم موافقة الإقليم. وبسبب إصراري وتهديدي بالاتصال بتنظيم آخر، تم ربطي بالقطاع الغربي من خلال إعطائي رقم هاتف واسم الشخص الذي سأتصل به، وكان أبو عمر.

وعلى مدى شهري حزيران وتموز من عام 1975 وشهري شباط وآذار من عام 1976 التقيت بأبي عمر بمعدل مرة كل يومين أو ثلاثة أيام بشكل منتظم، بدون أن أعرف عنه شيئاً سوى أنه "أبو عمر". لم أعرفه كإنسان، بل كقائد ومعلم، ولكنني لامست الإنسان فيه أكثر من مرة وفي أكثر من مناسبة. لقد تأثرت بأبي عمر بشكل عميق رغم أن لقاءاتي به كانت محدودة ورسمية. كيف؟ ولماذا؟

لقد كان أبو عمر ودوداً طيب المعشر دمثاً ومهتما، أما السمة الأهم له فهي جديته، فقد كان جديا ويطالب من يتعامل معه بأن يكون جديا حتى في أبسط الأشياء، كالحضور في الموعد المحدد، فقد كان يؤكد "أن الحضور قبل الموعد بخمس دقائق، أو التأخر عنه خمس دقائق مقبول، أما أكثر من ذلك فمرفوض، ولا يجوز لأنه قد يضر بأمنك وأمننا."

جديته أيضاً كانت واضحة وصارمة من خلال استغلاله لكل دقيقة في اللقاء. ففي كل اللقاءات التي كانت معه لم أذكر أنه كان هنالك وقت فراغ، أو مجرد أحاديث خارجة عن النص إذا جاز التعبير، فقد كان واضحا أنه كان يبرمج اللقاء. لقد أحسست ورغم طول بعض اللقاءات أن هنالك استكمالاً لما تحدث به. جديته كانت واضحة من خلال مطالبته بقراءة كراسة، ومن خلال مناقشتي في مضمونها. لقد كان يتأكد دائما من أنني قرأت ما كلفت به، وكان يحاول بأكثر من طريقة أن يعرف مدى استفادتي مما قرأته أو تحدث به، وذلك من خلال أسئلة كان يوجهها، وعلى ألأغلب، بطريقة غير مباشرة.

كان أبو عمر معلماً جيداً بكل ما في الكلمة من معنى. فقد كان واسع المعرفة، هادئاً، ويمتلك أسلوباً متميزاً في توصيل الفكرة أو المعلومة، بعيداً عن الخطابة أو التلقين. ويدفع مستمعه إلى استنتاج ما هو خاطئ أو صحيح في الجانبين النظري والعملي من الحياة النضالية، وربما في المسلكيات الشخصية. كان يجمع بين التأكيد النظري، وبين تعريب النظرية العلمية بعدم استخدام جمل ومصطلحات من خارج لغتنا، وكان يعطي أمثلة مبسطة، لكنها قوية في تعبيرها ومدلولها.

وأبرز ما أذكره في هذا الجانب، أنه أعطاني مهمة تتطلب مني المشاهدة والتعيين قبل الإجابة، إلا أنني أعطيت إجابة في نفس اللحظة. وكعادته، وبابتسامة لا تكاد تلحظ، قال: "لا تتسرع، أريد الإجابة بعد ذهابك إلى رام الله والعودة إلى بيروت، فأنت غائب عن رام الله منذ سنة ولا تعرف ماذا حدث من تطورات هناك."

وعندما عدت إلى رام الله أدركت تماماً ماذا كان يقصد، فقد كان يترتب على إجابتي كارثة. وتساءلت لماذا لم يقل بوضوح، وبشكل مباشر حدث كذا وكذا من متغيرات، وأنت متسرع، وجوابك خاطئ. نعم لقد تركني أدرك خطأي بنفسي، ولم ينس عندما عدت إلى بيروت أن يسأل ماذا استنتجت من طريقة إجابتي على سؤاله بتسرع، وكيف ومتى كان يجب أن أجيب.

وكان أبو عمر حريصاً على استغلال كل حدث أو فرصة ليعلم فيها شيئاً جديداً من خلال التأكيد على فكرة أو مبدأ أو أساس سلوك، وكان يبرز ما يود التأكيد عليه بشكل واضح بحيث يتذكره الإنسان طوال عمره أو يظل هذا التأكيد مبدأ أساسيا في سلوكه، وذلك من خلال استخدام كل الطرق المتاحة بالتوضيح والتنبيه أو التأكيد أو التحذير، وذلك من فمه وبنظراته وبإبراز ما يريد كأنه يضع تحت الكلمات خطاً بارزاً ستظل تتذكره عندما تقرأ نفس الصفحة. ففي يوم كنت أتناول طعام الغداء في مطعم قرب الجامعة، ولاحظت أبا عمر يدخل المطعم ومعه بعض الأخوة. كدت أقف لأستقبلهم حول طاولتي، إلا أنني لاحظت وبطريقة مقصودة أنه كان يشيح بوجهه عني منذ لاحظني، كأنه يقول نحن لا نعرفك. ثم جلس وأدار لي ظهره، فتأكدت مما يريد. وفي اليوم التالي كان أول ما قاله لي: "علاقتك معنا سرية، ونحن لا نعرفك إلا داخل غرفة مغلقة. لقد كدت أمس أن تخطئ لو تحدثت إلينا لأننا معروفون في هذه المنطقة بانتمائنا، وهذا يشكل خطرا عليك". لقد لاحظت أنه لم يتخل في أحلك الظروف في التعبير عما يريده بهدوء وبجدية وبود تجبر المستمع إليه على القبول والاقتناع برأيه بسهولة .

كان أبو عمر ديموقراطياً، لم يفرض يوماً موقفاً، بل حاول دائما الإقناع بوجهة نظر دون أن ينسى استخلاص النتائج والتأكيد عليها. فبعد إحدى الجلسات سنة 1976 أعطاني دراسة تناقش الواقع الاجتماعي الاقتصادي في لبنان، وتلقي الضوء على أسباب قيام الحرب الأهلية. قرأت الدراسة وأعجبت بعمق تحليلها. تناقشنا حول كيفية إيصالها للأرض المحتلة فاقترح إخفاءها في شنطة أو ما شابه إلا أنني رفضت ذلك لاكتشاف أكثر من خلية بسبب نقل الرسائل داخل شنط. وأكدت، طالما أستطيع حفظها ونقلها بدون التغيير في المضمون فهذا أفضل. سألني وهل تستطيع، قلت نعم. وبعد أن تأكد في جلسة لاحقة أنني حفظتها وافق على ما طرحت ولم يصر على موقفه.

التواضع سمة أساسية من سمات أبي عمر . قبل اعتقال مجموعاتنا ، واختفاء أبي عمر لم أكن أعرف عنه غير أنه "أبو عمر" فلم أكن أعرف اسمه أو أية معلومات أخرى عنه، لم يذكر في أية مناسبة ما يشير إلى بلده أو مكان سكنه أو أي شيء عن هويته. وأثناء اللقاءات الثلاثية لم أشعر مرة أنه المسئول، ولم يظهر ولو مرة ذلك، وتساءلت دون أن أسأل، من المسئول؟ فأثناء الجلسات كان الأقل حديثاً وتعليقاً، ولكنه كان الأكثر ملاحظة. وفي إحدى الجلسات أجلسني وحدي في غرفة مغلقة وطلب مني كتابة بيان جماهيري لمناسبة وطنية، وذلك على سبيل التدريب. كان يذهب ويعود إلي، وكنت أسمع من خلف الجدران نقاشاً حاداً وصل أحياناً درجة الصراخ. لاحظ أني منزعج إلى حد ما ولم أسأل، فقال: الأخوة يمارسون النقد والنقد الذاتي، وهذا هو أهم أسس العمل الثوري. ثم أضاف بابتسامة مقطوعة، وكما تسمع إنهم يمارسون نقداً صارخاً. أعطيته البيان بعد أن صغته، قرأه ثم قال: البيان جيد، لغتك جيدة، وفي البيان نفس تحريضي وهذا ضروري، ولكن عليك عندما تصوغ بياناً أن تتناول الوضع السياسي الراهن بشكل أو بآخر.

وفي إحدى الجلسات، أدخلني إلى غرفة، ثم خرج وعاد ومعه أخ قدمني له وقدمه لي على أنه ختيارنا، فرد الأخ عليه بتواضع: لا أنت ختيارنا، تجادلا باستحياء حول من هو الختيار، ثم أنهى الحوار قائلاً: أنا مشغول والأخ معك، تستطيع أن تسأله ما تشاء. خرج وتركنا، فكان أول سؤال سألني إياه الأخ أبو نائل هو: ماذا قرأت؟ ثم ناقشني فيما قرأته وسألني عن رأيي فيه، وعلق على ما قلته. المهم هنا أن الأخ أبا عمر عاد إلى الغرفة أثناء نقاشنا كتاب هشام شرابي، مقدمات في دراسة المجتمع العربي، وفي جلسة لاحقة أكمل من حيث انتهينا، فطرحت عليه سؤالاً أو تساؤلا هو: هل في واقعنا وبسبب عدم وجود مدن كبيرة وبسبب وجود نمط العائلة الممتدة يمكن اعتماد أسس تنظيم عصابات المدن؟ أجابني على سؤالي ، ثم تساءل هل جاء تساؤلك بسبب قراءتك كتاب هشام شرابي؟ وبعد إجابتي بنعم، قال جيد، يجب ربط ما هو نظري بالعملي، واستخلاص النظري من العملي.

وحول علاقة النظرية بالممارسة وغيرها من القضايا النظرية كان يتناول الموضوع نظرياً، ثم يسأل "كيف ننقل الوعي إلى الناس البسطاء؟ هل سنقول لفلاح شبه أمي، العلاقة بين النظرية والممارسة جدلية؟ والنظرية تنمي الممارسة والممارسة تغني النظرية؟ هل سيفهم ذلك؟ ما هي إمكانية طرح هذا العلاقة من خلال مثل عامي أو أية طريقة لتمكين الناس من فهم المطروح وبدون الاستعلاء عليهم نظرياً وثقافياً. كيف سنثقف البسطاء من شعبنا بشكل صحيح؟" بالتأكيد كان يعرف ما يريد، وكان يحاورني بطريقته الخلاقة لأستنتج المثل الشعبي القائل "اسأل مجرب ولا تسأل طبيب" ثم علق "هنا تأكيد زائد وخاطئ على الجانب العملي، والأصح أن نسأل طبيب مجرب". وهذا يوضح بصورة عميقة العلاقة بين النظرية والممارسة.

استفدت نظرياً من خلال تجربتي القصيرة وعلاقتي المحدودة مع الأخ أبو عمر ورفاقه في إطار الفكر الثوري كثيراً، والأهم أنهم استطاعوا خلال فترة قصيرة إعطائي هيكلاً نظرياً، كنت كلما ناقشت أو درست جديداً أبني عليه. لقد كرس أبو عمر كمعلم في ذهني أسس التفكير العلمي لفهم الواقع. وأعتقد أنه كان عبقرياً في وضع المستمع إليه على الطريق، مشدداً على استخلاص النتائج، وتصحيح الأخطاء لكي لا تتكرر. وكان يؤكد هنا بأن الخطأ الأول في العمل السري هو الخطأ الأخير لذلك تحتل الدراسة والتخطيط والتنظيم أهميتها بشكل مضاعف. ولن أبالغ إن قلت: إن اعتماد هذا النهج في حياتي العملية هو سبب النجاح.

كان أبو عمر مثابرا ومن خلال اختلاطي به، أحسست أنني أمام رجل قوي مؤمن بقضيته. ولم أستغرب مرة عندما فتح أجندته ليحدد لي موعداً أنه لم يجد لي وقت فراغ قبل الساعة الثانية عشر ليلا، حاولت رفض تحديد الموعد، لكنه أصر قائلا: الجلسة ستعقد وستحضرها لأن وقتك هنا محدود، ولا بد من استغلاله بالكامل. ولقد سمعت لاحقاً أنه كان يكتب في مجلة "شؤون فلسطينية"، ويدرس في مدرسة الكادر السياسي، ومسئول لجنة في القطاع الغربي، كان يكرس كل وقته للقضية والثورة.

إن أهم ما تعلمته من الأخ أبو عمر: هو أن الكادر الثوري والمثقف الثوري، ولكي يستحق أن يكون مناضلاً يجب أن يمارس النضال فعلياً. وقد قال لي: كل مثقف لم يخض النضال العملي لا يستحق أن يصنف كادراً في تنظيم ثوري أو أن يصبح قائداً. لذلك، اختار أبو عمر، وهو خريج الجامعات الأمريكية، وكانت لديه فرص كثيرة ليدرّس ويرتقي في الجامعات العربية أو الدولية، اختار أن يلتزم مناضلا في حركة فتح، ورفض بأن يتحول إلى منظر يجلس خلف مكتب أنيق، كان يؤكد وبنفس القوة على أهمية تحويل المقاتلين إلى كوادر، وعلى أهمية اكتساب المعرفة النظرية.

كان وضحاً أنه ضد ما يمكن تسميته الحلول الوسط ، أو أنصاف الحلول، أو الوسطية. لذلك كان يكرر دائماً "يجب الانحياز الكامل إلى الفكرة أو الموقف، فمن يمشي في منتصف الشارع ستصدمه السيارات."

الصورة التي ما زالت في ذاكرتي لأبي عمر، هي صورة لرجل نحيف، يجلس أمام المناضل، ويحاول ما أمكن أن يزرع في ذهنه أسس العمل الثوري، وأسس التفكير العلمي. هذا الرجل الكادر القائد هو نموذجنا الذي كان يجب أن يهيمن لنبني تنظيماً ثورياً قادراً على مواجهة أعداء يفكرون بأسلوب علمي ويخططون جيداً. نعم كان يجب أن يسود في أطرنا كوادر كأبي عمر، علماء مقاتلون، أساتذة مناضلون، مستعدون للعطاء، وقادرون على تحليل واقعهم بعلمية، وعلى تطوير القدرات العملية، مبدعون وخلاقون.

نعم، للفرد دور مهم، بل أساسي في التاريخ وغياب فرد قد يغير مجرى التاريخ. الفرد ليس معزولاً عن القوى الاجتماعية، ولا يستطيع بدونها أن يحقق شيئا، والقوى الاجتماعية بدون قائد وطلائعيين وكادر معبأ ومنظم يقود الثورة نحو النصر لن تحقق أهدافها.

ولسوء حظ شعبنا، خسرنا أبا عمر مبكرا، ذهب مع الكثيرين من الشهداء العظماء، وتركونا نتخبط، ونكاد نصل إلى الإقرار بهزيمتنا، وذلك أنكر الخسائر وأذلها.

احمد أبو غوش*
رام الله 2007

ولد في قرية عمواس التي دمرها الاحتلال ألإسرائيلي عام 1967
التحق بحركة فتح وناضل في صفوفها حركة فتح
أعتقل وأمضى اثني عشر عاما في المعتقلات الإسرائيلية
له عدة كتب منشورة

صور أو مرفقات

غلاف كتاب أحمد ابو غوش

titre documents joints

أهداء في كتاب أحمد ابو غوش

5 حزيران (يونيو) 2011
info document : PDF
92.1 كيلوبايت

صفحة البداية | الاتصال | خريطة الموقع | | icone statistiques visites | info visites 0

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع ذكريات ودردشات  متابعة نشاط الموقع الأصدقاء والمعارف   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.2.0 + AHUNTSIC

Contact Email

info (at) abu-omar-hanna.info