.

سمير رزق الله: كتاب يكرم قائدا فلسطينيا

« السياسة والوحي - الماوردي وما بعده » لحنا ميخائيل .

كتاب يكرم قائدا فلسطينيا «خطفه» حادث غامض

سمير رزق الله

Al-Hayat (1,464 كلمة)

تاريخ النشر 30 أكتوبر 1995

الكتاب: السياسة والوحي - الماوردي وما بعده

المؤلف: حنا ميخائيل

تقديم: ادوارد سعيد

الناشر: مطبعة جامعة ادنبره - اسكتلندا 1995

نادرة هي الكتب التي تكون الكتابة عنها انطلاقا من مؤلفها وليس من مضمونها في المقام الأول. وكتاب «السياسة والوحي» واحد من هذه الكتب، وان كان المضمون ايضا يستحق وقفة تأمل على رغم مضي حوالى ثلاثين سنة على تقديمه اطروحة لشهادة الدكتوراه في جامعة هارفارد الأميركية العام 1968، ولم يقيض لمؤلفه الدكتور حنا ميخائيل (أبو عمر) ان يعيد النظر فيه كما كان ينوي في السبعينات.

ثمة ثلاثة مداخل للــتعامل مع هذا الكتاب الذي صدر بالانكليزية أخيرا، وسوف يصدر بالعربية عن «دار الطليعة» في الأشهر القليلة المقبلة:
أولا - موضوع الفكر السياسي عند الماوردي، ذلك ان «أبو عمر» كان في مقدمة الباحثين العرب الذين حاولوا تبيان العلاقة بين الوحي (الشريعة) والسياسة في كتابات الماوردي الذي يعتبر من أهم الكتاب المسلمين الذين تناولوا تلك العلاقة المعقدة. ومع ان كتابات عدة صدرت بعد دراسة «السياسة والوحي»، وأبرزها بقلم الدكتور رضوان السيد، الا ان الابعاد التي يقدمها «أبو عمر» ما تزال محافظة على ريادتها وأصالتها.

ثانيا - حساسية الموضوع السياسي الاسلامي في ظل تنامي التيارات الاسلامية الأصولية، وما يرافق ذلك من نقاش بين دعاة الدولة الدينية ومعارضيها. اذ كثيرا ما يعود الأصوليون الى التراث الاسلامي، ومنه كتابات الماوردي، للخروج منه بمفاهيم محددة عن الفهم الاسلامي لطبيعة الدولة والعلاقات بين الحاكم والمحكوم وغير ذلك من قضايا مطروحة على بساط البحث حاليا.

ثانيا - المؤلف الدكتور حنا ميخائيل «أبو عمر» كان أحد قادة الثورة الفلسطينية (عندما كانت ثورة بالفعل)، بل وشكل مفصلا مهما في تركيبة القيادة في بيروت قبل ان تنتهي عطاءاته في حادث غامض وقع له خلال شهر تموز (يوليو) العام 1976 في عز الحرب الأهلية اللبنانية، بينما كان في طريقه بحرا من بيروت الى طرابلس في مهمة نضالية مع عدد من الأشخاص.

والمدخل الثالث هو العنصر الأبرز في الكتاب الذي اشرفت على اخراجه زوجته السيدة جيهان الحلو ميـخائيل بمـساهمة عدد من رفاق «أبو عمر» واصــدقائه ومعارفه ومنهم: ادوارد سعيد وبيانكا ماريا سكارسيا أموريتي ورضوان السيد وعزيز العظمة والفنان كمال بلاطة. وكما تقول جيهان في مقدمتها للكتـاب: «? ولعل الســبيل الأفضل الى جعل الأسى على حنا (أبو عمر) مصدر عمل ايجابي لاحياء ذكراه هو نشر كتاباته التي تعكس مثله وأهدافه، تلك التي وهبها أغلى ما لديه، حياته. لسوء الطالع ان معظم نتاجه الكتابي قد ضاع أو أتلف في معمعة الغزو الاسرائيلي للبنان عام 1982، لكن يبدو ان العــمل الأجدى هو نشر اطروحته عن الماوردي التي نال عنها درجة الدكتوراه في جامعة هارفارد، ففيها تجسيد لعمل حنا الدؤوب سعيا الى المعرفة، عميقة وشاملة، سبيلا الى بلوغ القـيم المــثلى في التحرير والنهوض الانساني».

اذن نحن أمام عمل هدفه الأول تكريم ذكرى أحد قادة الثورة الفلســطينية، في حين يحــتل موضـوع الكتاب نفسه الدرجة الثانية من الأهمية، أو على الأقل الاضاءة على شخصية «أبو عمر»، جزئيا من خلال الأطروحة وعموما من خلال المقدمات التي كتبها ادوارد سعيد وبيانكا ماريا سكارسيا أموريتي وجيهان الحلو ميـخائيل. وفي كل هذه المـقدمات - الشهادات، يجد القارئ نفسه يتعرف الى كادر فلسطيني أعطى الثورة بصمت وعقلانية منذ العام 1967 بعد ان ترك رغد العيش والتعليم الجامعي في أميركا الى ان قدم حياته في ذلك الحادث الغامض صيف العام 1976 في عرض البحر.

ادوارد سعيد يستخدم مقدمته كي يتناول ما آل اليه الوضع الفلسطيني العام في ظل قيادة منظمة التحرير بعد اتفاقات أوسلو وغزة - أريحا أولا والحكم الذاتي وغيرها. وهو يجعل موقفه الانتقادي الحاد مدخلا للحديث عن «أبو عمر» بوصفه من طينة قيادية تختلف اختلافا جذريا عن الديكتاتورية والاستغلالية والانتهازية التي عرفتها صفوف الثورة الفلسطينية في السنوات القليلة التي سبقت السقوط النهائي في أوسلو، وقبله في بيروت وعمان? وهكذا. وادوارد سعيد يكتب من موقع العارف، فقد كان صديقا شخصيا للراحل حنا ميخائيل، وتعود معرفته به الى الخمسينات عندما كان يدرسان - وان في جامعتين مختلفتين - في الولايات المتحدة الأميركية. ثم توطدت العلاقات عندما «عملا» معا في صفوف المقاومة الفلسطينية، سعيد في الولايات المتحدة وميخائيل في عمان (قبل الانتقال الى بيروت بعد مجازر 1970).

التغيير الأساسي الذي لحظه ادوارد سعيد في طبيعة مهمات «أبو عمر» في المقاومة الفلسطينية كان في العام 1972، فهو يقول في المقدمة: «? ففي السنوات التي سبقت وفاته العام 1976 بدا لي انه انغمس كليا في مهمته مسؤولا سي��سيا في الحركة. في لباسه وتصرفه واسلوب حياته. اذهلني تطرفه في النسك والتزهد. كان قد كسب بعض الوزن، لكن لم أره يوما يرتدي غير لباس الميدان الكاكي». ويضيف بعد حديثه عن ذكرياته مع «أبو عمر»: «? يومها ايضا لاحظت كيف ان حنا كان قد بدأ يجمع حوله بتؤدة مجموعة من اعضاء فتح الذين يجارونه فكريا (?) فمن كانوا غير راضين عن الاتجاه السياسي الذي تتخذه القوى الحاكمة (?) في الأشهر التي سبقت موته كان لافتا المدى الذي بلغه انتشار افكاره الاعتراضية في صفوف فتح في بيروت (?) كذلك كنت بدأت أقدر - ولا دليل حسيا ابني عليه الا الدليل غير الحاسم الذي استنتجته من بعض اصدقائه - انه كان قد بدأ يزعج خاطر القيادة بتصميمه على المعارضة، وبما أصبح له من نفوذ متعاظم لدى كل العاملين معه. ولا بد لي من القول هنا بكل الصدق وأعمق الحزن ان اختفاءه المشؤوم ووفاته في العام 1976 بدا لي انهما قد جاءا في مصلحة تلك الفئة من الفتحاويين الذين ضاق صدرهم بتلك المعارضة العنيدة للمناورات السياسية وتسخير المبادئ، وهي المعارضة التي تمثلت خير تمثيل بنظرية حنا وممارسته على حد سواء».

أما مقدمة بيانكا ماريا سكارسيا اموريتي فتلقي اضواء أخرى على جانب مختلف من نضال «أبو عمر» في صفوف المقاومة الفلسطينية على مستوى الرأي العام العالمي. فقد كان اللقاء الأول هنا في العام 1969 خلال زيارة الى ايطاليا عن طريق الراحل وائل زعيتر الذي اغتالته المخابرات الصــهيونـية في العام 1972 في روما.
وهذه الشهادة تظهر عمق العلاقات التي كان «أبو عمر» قادرا على اقامتها مع الحركات الوطنية والتقدمية في جميع انحاء العالم، من دون ان يهمل دوره الأساسي الذي وصفه ادوارد سعيد نقلا عنه «بأن مهمته هي تثقيف (انفسنا)».

نحن في هذا الــعمل التذكاري أمام كتابين بالفعل: الأول هو رسالة الدكتوراه التي قدمها حنا ميخائيل في جامــعة هارفارد الـعام 1968، وكان يرغب في تطوير افكارها وتوسـيعها قبل نشرها في السبعينات لكن القدر لم يمهله كثيرا. والثاني عبارة عن شهادات في شخصية «أبو عمر»: الانسان والصــديق والباحث والمناضل والقائد الفلسطيني الذي خسرته حركة الشعب الفلسطيني وهو في أوج عطائه من خلال حادث غامض مشكوك في تفاصيله وأبعاده. والعملان متكاملان تماما، وهما يقدمان صورة عن «أبو عمر» الذي وصــفه ادوارد سعــيد بأنـه «كان عــالما من علماء الفكر ا لاسـلامي، وكان هو يرى في ذلك استمرارية تراثية للأجيال العربية الآتية، لعلها تشق طريقها من جديد، وبجهودها هي، نحو الانبعاث الوطـني والحرية».

===

Politics And Revelation - Mawardi And After.

By: Hanna Michail.

Preface By: Edward Said.

Edinburgh University Press - 1995.

ISBN 0 - 7486 - 0519 -


صفحة البداية | الاتصال | خريطة الموقع | | icone statistiques visites | info visites 0

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع كتاب السياسة والوحي: الماوردي وما بعده  متابعة نشاط الموقع مراجعات للكتاب   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.2.0 + AHUNTSIC

Contact Email

info (at) abu-omar-hanna.info